عندما سمعنا عن "مجلس الشيوخ الجنوبي"، حسبناه طرفة سياسية أو مجرد نكتة ثقيلة، فإذا به حقيقة تنافس في غرابتها أفلام الخيال التاريخي! مقاعد محجوزة للسلاطين والمشائخ، وكأن المجلس الانتقالي قرر استدعاء الجنوب من متحف الزمن ليحكمه بعقلية ما قبل الدولة!
لكن السؤال الأهم: لماذا هذا المجلس الآن؟ هل هو محاولة لمغازلة شريحة معينة من المجتمع؟ أم أنه وسيلة جديدة لتصفية ما تبقى من أنصار استعادة دولة الجنوب؟ ألم يدرك قادة الانتقالي أن من بقي مخلصًا لهذه القضية لم يتمسك بها حبًا في أسماء أو كيانات، بل لأنه كان يؤمن بما تبقى من حلم الدولة التي ألغت هذه المشيخات والسلطنات قبل نصف قرن؟
بدلًا من الانشغال بإعادة تدوير الماضي، كان بإمكان المجلس الانتقالي أن يتخلى عن الاحتكار المناطقي وينظر لحاجة المجتمع الحقيقية، حاجة المواطن للأمن، للخدمات، للعيش الكريم. كان بوسعه أن يمد يده للجميع ليؤسس دولة حديثة، لا أن يتحول إلى نادٍ مغلق تحكمه عقلية العرّابين القدامى والجدد!
كان أمامه فرصة ذهبية لصنع مستقبل مختلف، لكنه اختار أن يضع الجنوب في آلة الزمن ويعيده إلى الخلف، بحثًا عن "شرعية رمزية" يوزعها على السلاطين والمشائخ، بينما المواطن لا يجد من يوزع عليه الأمن ولا الخدمات ولا حتى الوعود الصادقة!
إذا كان هذا هو الحل العبقري لإدارة الجنوب، فلنستعد إذن لرؤية مجلس الفرسان، وديوان القضاة الشرعيين، وربما حتى "ديوان الطواويش" لتنظيم تجارة اللؤلؤ! وعلى هذا المنوال، لا مانع من إحياء عملة الريال الحسني، وفتح باب التطوع في جيش الليوي!
المجلس الانتقالي، الذي طالما تحدث عن القطيعة مع الماضي وبناء دولة حديثة، يبدو أنه قرر أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر بوابة الماضي... ولكن، أي مستقبل هذا الذي تُرسم معالمه بسيوف قديمة وعمائم من زمن بائد، بينما الجنوبي يبحث عن الأمان، فلا يجده، وعن الخبز، فلا يكفيه؟!