بعد أن تاه النظام العربي الرسمي بمساحات جغرافيا صراع حروب الكبار دون وعي معرفي لجوهر سياسة المصالح والمنافع الوطنية والقومية فغابوا عن بوصلة استعادة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين وغادر تفكيرهم السياسي وأهدافهم القومية بعيداً عن أهمية ومقومات وروابط الأمن القومي العربي الموحد الذي بالتأكيد يسجل سياج قوي في التعامل مع متطلبات أهداف وسياسات العلاقات الدولية القائمة على أسس المصالح والتعايش والصداقة بين الشعوب والسلام والتنمية فتاهوا بمخالب سياسات الحرب الباردة .
مشكلتنا أن بعض الدول العربية صارت مخزناً بشرياً لتصدير شبابنا إلى محارق الموت في افغانستان والبوسنه والهرسك والصومال والعراق وسوريا وليبيا واليمن وصناديق دفع وتمويل مالية خدمة لسياسة ومصالح وأطماع أمريكا والغرب وإسرائيل في العالم والخروج من سوق المصالح عطل وخاليين المنافع في مهزلة تبذير الثروة العربية والشعور بمأساة عدم عدالة الشراكة ولا تخدم المصالح الوطنية ولا مصالح الأمن القومي العربي بل أضرت به .
من غرائب السياسات الأمريكية المتناقضة أنه بعد أن نظمت وأشرفت وقادت المخابر ات المركزية الأمريكية عملية اسطول جلب ما يسمى بالمجاهدين العرب إلى افغانستان لمحاربة الاحتلال الشيوعي السوفياتي لأفغانستان بينما لم تكن عند الأمريكيين نفس الدافع والحماس للتجييش من أجل تحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي كقضية وهدف إنساني لشعب يستحق الاستقلال والحرية وإقامة دولته المستقلة على أرضه مثل بقية شعوب العالم بل إنه لم يفكر حتى العرب المتحمسون سياسياً ودينياً والممولون مالياً وتيارات الإسلام السياسي مثل أن الأولى حقاً بالجهاد والتحرير يجب أن يعطى لفلسطين وعاصمتها القدس الشريف وليس لغيرها.
الجريمة أن أمريكا بعد أن استخدمت شبابنا المغرر بهم في مستنقعات حروبها القذرة قررت بين ليلة وضحاها وبنفس المكان والزمان تغيير حتى مسمياتهم من مجاهدين مسلمين بعد أن استنزفتهم بخساسة في الحروب السرية والعلنية إلى تسميتهم بالإرهابيين المسلمين وكأنهم مجموعة من المرتزقة استخدمتهم بالمال والسلاح وبندقاً للإيجار لا هدف لهم ولا قضية عادلة يموتون من أجلها ، بل أنها السخرة بنظام وتفكير الرأسمالية الجشعة بالاستعمار والاستغلال والنهب وأنهم لم يعودوا يتكسبوا من خلال توظيفهم بفوائد الأرباح والمنافع من ساحات الحروب والموت العبثية لأمريكا ، بل إن مرحلة صلاحيتهم انتهت وصورتهم على أنهم جماعة إرهابية متطرفة ضد الحضارة الإنسانية.
وبعد احتلال أمريكا لأفغانستان عشرون عام بسبب ما أدعت أن هدف الغزو هو إسقاط نظام طالبان الذي أحتضن ودرب وصدر الإرهاب العالمي إلى عقر دارها ، في أحداث تفجير برجي التجارة بأمريكا بـ 11سبتمبر 2001م بمدينتي واشنطن ونيويورك والقضاء على كل المنظمات الإرهابية في العالم وكل من خطط ونفذ وأدار العمل الإرهابي و تسليم أسامة بن لادن زعيم القاعدة وقيادتها واستعادة هيبة أمريكا في العالم بعملية سميت الحرية الدائمة ، بعد عشرون عام من الغزو الأمريكي والعثرات المثقلة بالهزائم تنسحب أمريكا بصورة مذلّة وبطعم الهزيمة ولم تسقط نظام طالبان ، بل إن من أسقط كابل الآن هي طالبان نفسها التي كانت هدف الغزو الأمريكي وحشدت ضدها الأساطيل والغواصات والطائرات ، والطائرات العملاقة وصواريخ كروز وصواريخ توما هوك والقنابل الارتجاجية والفراغية وكل وسائل وأدوات الدمار الفتاكة والموت ، وباعتراف الرئيس الأمريكي جو بايدن أنهم انفقوا على غزوا أفغانستان ثلاثة ترليون دولار وأنهم حققوا أهدافهم بقتل أسامة بن لادن ولكنهم انسحبوا حفاظاً على أرواح ومصالح الأمريكيين.
الحقيقة التي لم يقولها جون بايدن ولكن شاهدها كل العالم وبثّتها وتحدثت عنها كل قنوات العالم أن الأمريكيين انسحبوا دون تحقيق أهدافهم وأنهم طردوا من قبل حركة طالبان التي كان الغزو بسببها واعتبارها أخطر منظمة بالعالم أنه الانسحاب المذل بطعم الهزيمة الذي لم يسقط ولم تنتهي طالبان ولا رقصة الموت المنفلتة والدروس والعبر القاتلة للإدارات الأمريكية المتعاقبة ولا سقطت مدرسة صناعة وثقافة وأسباب الإرهاب في العالم ولا نجحت عملية الحرية الدائمة.
خلاصة القول قالها كارتر مالكاسيان المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الذي نشر مؤخراً كتاباً عن تاريخ الحرب في افغانستان "لا شك إطلاقاً في أننا خسرنا الحرب ".