آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-12:11م

محاولة جديدة لإيداع جنوب اليمن في ثلاجة الماضي

الإثنين - 31 مارس 2025 - الساعة 04:19 م
مصطفى ناجي

بقلم: مصطفى ناجي
- ارشيف الكاتب


مصطفى ناجي


صدر قبل أيام قرار بتشكيل مجلس شيوخ الجنوب من قِبل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وضمت اللجنة أسماء شخصيات يمنية بارزة تحمل صفات “الأمير” و”السلطان” و”الشيخ”. قبل عام، صدر قرار مشابه لتشكيل مجلس الجنوب، وتم تكليف الشخص نفسه باستكمال الإجراءات، ولكن بصفة مختلفة. صيغة القرارين تكشف الكثير عن المسار الذي يتجه إليه الوعي السياسي والمجتمعي في جزء من اليمن، وربما في اليمن كله.


أمام تحديات معيشية قاسية تفتك باليمنيين نتيجة انهيار الدولة منذ الانقلاب الحوثي-الصالحي، وفشل السياسات المتعددة للحكومة، أو بفعل السياسات المتعمدة لجماعة الحوثي في الإفقار، يبدو هذا القرار هامشيًا ضمن سلسلة من القرارات التي تخص النخب السياسية وصراعاتها. إلا أنه في جوهره يندرج ضمن تحولات اجتماعية عميقة تشهدها البلاد على وقع الحرب.


معظم هذه التحولات تدفع اليمن نحو الماضي، سواء بالمعنى التقني لمؤشرات التنمية والوضع الإنساني، أو بالمعنى السياسي والفكري، حيث تعمل كل المشاريع الميليشياوية على تكريس تصورات ماضوية للسلطة وعلاقات الأفراد بها، وعلاقاتهم ببعضهم البعض.


المجلس الانتقالي الجنوبي ليس استثناءً. فهو، حتى الآن، لم ينجح في تقديم مشروع مستقبلي يستمد منه شرعيته، بل يلجأ إلى صيغ الماضي السياسية والاجتماعية للبحث عن شرعية ما. وكغيره من المشاريع المناهضة لفكرة يمن موحد ديمقراطي قائم على المواطنة، ما تزال ركائز الشرعية السياسية لديه غامضة، وتستند في الأساس إلى القوة المسلحة أو الدعم الخارجي، وهذان العاملان لا يكفيان لبناء شرعية مستدامة.


تحفيز قاعدة جماهيرية أوسع يتطلب تلبية الحد الأدنى من المطالب الشعبية: تحسين الخدمات العامة، تحقيق الأمن، فرض سيادة القانون، وضمان المساءلة والشفافية. وبما أن كل الأطراف عاجزة عن ذلك، فهي تبحث عن تحالفات بديلة تُعفيها من مواجهة عجزها في تحقيق هذه الأهداف المباشرة.


ولذلك، فإن اللجوء إلى الماضي يبدو الخيار الأسهل، وهو ما يشكل نكسة جمعية، خاصة إذا ما نظرنا إلى تاريخ النضال السياسي والاجتماعي في محافظات الجنوب، والذي ارتكز على تحقيق التقدم الاجتماعي، وتكريس المواطنة، وتحرير الفرد من السلطوية والعبثية.


من حيث الشكل والمضمون، وبالاستناد إلى سلوك المجلس الانتقالي السياسي والاجتماعي، فإنه يشكل نقيضًا موضوعيًا لدولة الجنوب التي يزعم السعي إلى استعادتها. فدولة الجنوب، منذ الاستقلال، قامت على علاقة مباشرة بين الجماهير والسلطة، وشاركت الجماهير المؤدلجة بطبيعة المرحلة في صناعة المعادلة السياسية والاجتماعية.


أما تشكيل مجلس شيوخ بقرار رئاسي، فيشير إلى هيكل هرمي للسلطة قائم على البُنى المشيخية، لا على المواطنة. هرمية تقطع العلاقة بين القيادة والقاعدة الجماهيرية، التي ستجد نفسها تدريجيًا خارج المعادلة السياسية. هذا النموذج مستورد من بعض دول الجوار النفطي التي لها ظروفها الخاصة، ولا يراعي السياق السياسي والاجتماعي في اليمن، ولا الإرث النضالي المتراكم منذ الاستقلال.


ما يغيب عن صانعي هذا النموذج أنه غير قابل للتطبيق في بيئة لا تمتلك الثروات الريعية ولا السياقات التي أفرزت تلك النماذج الهرمية في الخارج، وسيصطدم بالإرث السياسي العميق، وسيفجّر نزاعات جديدة بدلاً من أن يصنع استقرارًا.


الأمر الآخر اللافت في مسار المجلس الانتقالي هو غياب الاستقرار البنيوي. صحيح أن الحاجة إلى التحديث أمر ضروري، إلا أن غياب الثبات المؤسسي، وغياب آليات صنع القرار، وعدم وجود اتصال منتظم بين القيادة والجماهير، يفضي إلى خلل عميق في الأداء.


ومنذ تأسيسه، أجرى المجلس تعديلات مستمرة، واستحدث تكوينات جديدة، فأصبح يمتلك غرفتين تشريعيتين – مجلس عموم ومجلس شيوخ – دون أي انتخابات، ودون مشاركة حقيقية للمجتمع المدني أو الفاعلين السياسيين في نقاش علني أو حوار فكري حول هذه الهياكل.


ليس القصد هنا مهاجمة كيان سياسي بعينه، بل تقديم نموذج لأزمة الحياة السياسية في اليمن. فمعظم الكيانات السياسية تتجه لأن تكون “أحزاب شاملة”، لكن سلوكها التنظيمي يشبه الدولة بلا شعب ولا مؤسسات. وهذا الانفصام يمثل خطرًا كبيرًا على مستقبل العمل السياسي، إذ سنجد أنفسنا أمام كيانات بلا رؤية، ولا فلسفة، ولا أهداف قابلة للقياس، تعتمد على السلاح أو على أيديولوجيات شمولية لتبرير وجودها.


مصطفى ناجي