آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-12:05م

الدراما ليست حكايات عابرة، بل رسالة وقيم

الأربعاء - 02 أبريل 2025 - الساعة 11:44 ص
أمين دبوان

بقلم: أمين دبوان
- ارشيف الكاتب


الفن، بكل تجلياته، يمتلك تلك القدرة الساحرة على اختراق حجب العقل والوصول مباشرة إلى شغاف القلب. والدراما، بما تحمله من شخصيات تتصارع وتتألم وتنتصر وتنهزم، تخلق لدينا حالة من التماهي الوجداني، تجعلنا نعيش لحظات الفرح والحزن والخوف والأمل كما لو كانت جزءًا من نسيج حياتنا. وهنا تكمن قوتها الكامنة، القدرة على غرس بذور الأفكار والقيم في تربة الوعي دون مقاومة أو تكلف.


صحيح أن عجلة الإنتاج تدور مدفوعة بعوامل اقتصادية، وأن إرضاء ذائقة الجمهور هدف مشروع لا يمكن تجاهله. لكن، هل يجب أن يكون ذلك على حساب الهدف الأسمى للفن، وهو إثراء الروح وتقديم محتوى يرتقي بالمتلقي؟ ألا يمكن للمبدع أن يوازن بين جاذبية الحكاية وعمق الرسالة، بين الإمتاع والتنوير؟


الفنان الحق هو ذلك الذي يرى أبعد من سطح الأحداث، يستشرف نبض مجتمعه، ويستخدم أدواته الفنية بمسؤولية ووعي. يمكن لقصة بسيطة أن تحمل في طياتها نقدًا لاذعًا لظاهرة سلبية، ويمكن لشخصية درامية أن تصبح نموذجًا يُحتذى به في الشجاعة أو الإيثار أو الصدق. الفن الهادف ليس مجرد صدى للواقع، بل هو محاولة لتشكيله نحو الأفضل، هو بصمة تترك أثرًا في الذاكرة والوجدان.


بل إن الدراما يمكن أن تتحول إلى مدرسة للحياة، نتعلم منها دروسًا قيمة ربما تعجز الكتب والمواعظ المباشرة عن إيصالها بنفس العمق والتأثير. نتعلم من صراعات الشخصيات كيف نواجه تحدياتنا، ومن أخطائهم كيف نتجنب الوقوع فيها، ومن انتصاراتهم كيف نؤمن بقدرتنا على تحقيق أهدافنا. إنها نافذة نطل منها على عوالم مختلفة، نكتسب من خلالها فهمًا أعمق لأنفسنا وللآخرين وللعالم من حولنا.


لا يعني التركيز على المحتوى الهادف التخلي عن جمالية الصورة أو متعة السرد. بل على العكس، يمكن للرسالة القيمة أن تتجلى في أبهى صورها عندما تُغلف بإطار فني جذاب وشيق. فالجمهور ليس كيانًا سلبيًا يتقبل أي معروض، بل هو يبحث عن محتوى يحترم عقله ويثري روحه، محتوى يمنحه شيئًا يتجاوز مجرد التسلية اللحظية.


وسائل الإعلام والفنون تحمل بين طياتها قوة هائلة، قوة قادرة على تشكيل الوعي وتوجيه السلوك. ولتحقيق أقصى استفادة من هذه القوة، يجب على صناع المحتوى أن يرتقوا بمسؤوليتهم، وأن يتوجهوا نحو تقديم أعمال لا تكتفي برواية القصص، بل تعمل على تعزيز القيم النبيلة وبناء مجتمع أكثر وعيًا وثقافة وقدرة على مواجهة تحدياته. فالاستثمار الحقيقي ليس فقط في نسب المشاهدة، بل في غرس بذور الخير والمعرفة في نفوس المشاهدين، وهو استثمارٌ ثمينٌ نجنيه نحن وأجيالنا القادمة.