آخر تحديث :الجمعة-04 أبريل 2025-03:11ص

أطفال الشقاء.. براءة تسحقها أقدام الإهمال

الإثنين - 27 يناير 2025 - الساعة 09:05 ص
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


في عصرٍ تُضاء فيه الأرض بوهج التقدم، وتتعالى أصوات الاكتشافات والإنجازات، يظل هناك زوايا مظلمة تُخفي مآسي لا يمكن التغاضي عنها. في قلب هذه الزوايا يعيش أطفالنا، أغلى ما نملك، ضحايا لواقع قاسٍ يتجاهل براءتهم ويسحق أحلامهم.

ذات يوم، في ظهيرة مشمسة، أبصرت طفلاً صغيرًا جالسًا على رصيف الطريق، يده تحمل مناديل ورقية، ووجهه يخفي قصصًا مؤلمة لا تحتملها سنوات عمره الغضة. كانت عيناه البريئتان مشبعتين بالدموع، ووجهه الشاحب يحكي ألف حكاية. اقتربت منه وسألته بلطف عن حاله، فأجابني بكلمات تقطر وجعًا: "أبي".

كان وقع الكلمة كالصاعقة، فقد فتحت أمامي أبواب عالم من المعاناة لم أكن أتصوره. طفل، في عمر الزهور، يُجبر على بيع المناديل ليسد حاجات أبيه، لا ليحيا، بل ليروي عطش إدمان قاتل.

في لقاء آخر، حاولت الغوص أعمق في تفاصيل حياته. سألته عن والده وكيف ينفق المال الذي يجنيه من عرق جبينه الطفولي. أجابني بصوت بالكاد يُسمع: "أعطي كل المال لأبي، وهو يشتري به القات." كانت كلماته كخنجر يمزق الضمير. كيف لأب أن يُثقل كاهل طفله بمسؤوليات لا يتحملها إلا الكبار؟ وكيف يسمح مجتمعنا لمثل هذه المآسي أن تمر دون حساب؟

هذه القصة ليست استثناء، بل هي جزء من واقع أليم يعيشه آلاف الأطفال. واقع يُجردهم من طفولتهم، ويحرمهم من أحلامهم، ويزرع في نفوسهم بذور الحزن والخوف. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام أو مشاهد عابرة؛ هم بشر يستحقون حياة كريمة، وأحلامًا تُضاء بدلًا من أن تُطفأ.

إن ما يحدث لأطفال الشقاء يضعنا جميعًا أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية. أين دورنا كأفراد ومجتمعات ودول؟ لماذا نسمح باستمرار هذا النزيف الإنساني؟ على الدولة أن تتحرك بجدية لفرض قوانين تحمي حقوق الطفل، وتوفر دعمًا حقيقيًا للأسر التي تعاني. وعلى المجتمع أن يُعيد ترتيب أولوياته، لتصبح مساعدة هؤلاء الأطفال واجبًا لا رفاهية.

دعونا نمنح هؤلاء الصغار فرصة لاستعادة طفولتهم المسلوبة. دعونا نكون صوتهم حين يخفت صوتهم، وأملهم حين يغمرهم اليأس. فلنكن نحن اليد التي تمسح دموعهم، والقلب الذي يحتضن أحلامهم.

لنجعل من الإنسانية عنوانًا، ومن الطفولة حكاية سعيدة تُروى، لا مأساة تُكتب على أرصفة الطرقات.