شهدت الساحة الإعلامية في السنوات الأخيرة انفجارا غير مسبوق في عدد المواقع الإخبارية الالكترونية والصحف، حيث أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى. لكن مع هذه الطفرة الإعلامية، برزت مشكلة خطيرة تهدد مصداقية الصحافة، وهي غياب الحياد، وهيمنة المصالح السياسية والمالية، وتحول الإعلام إلى أداة بيد القوى النافذة.
في النظريات الإعلامية، تعتبر الصحافة سلطة رابعة، دورها كشف الحقائق، وممارسة الرقابة الشعبية، وتمثيل صوت المجتمع بعيدا عن التوجيه أو التبعية. لكن الواقع يعكس صورة مغايرة تماما، حيث أصبحت العديد من المنصات الإعلامية مجرد أدوات تخدم أجندات شخصية و سياسية واقتصادية محددة، دون مراعاة لأخلاقيات المهنة أو المصلحة العامة.
اللافت في الأمر أن بعض هذه الوسائل تتستر تحت شعارات براقة مثل حرية التعبير والديمقراطية، لكنها في الحقيقة لا تسمح إلا بالرأي الذي يتماشى مع توجهاتها، بل تمارس الإقصاء ضد كل من يحاول تقديم نقد ذاتي أو رؤية مختلفة، حتى لو كان النقد بناءً يهدف إلى تصحيح المسار لا إلى الهجوم.
يمكن ملاحظة هذا النفاق الإعلامي بوضوح عندما ترسل مقالة تتناول قضية مجتمعية لا علاقة لها بالسياسة، لكنها ترفض أو تحذف لأن مضمونها يفهم على أنه نقد لمسؤول معين أو جهة نافذة. وهذا يوضح كيف أن بعض الإعلاميين والمسؤولين يسعون إلى إسكات الأصوات الحرة، خوفا من أي طرح قد يكشف إخفاقاتهم أو يهدد مصالحهم.
في المقابل، تجد نفس الوسائل الإعلامية ترحب بمقالات أخرى تتماشى مع أجندتها، حتى لو كانت خالية من أي قيمة مهنية أو فكرية، طالما أنها تصب في مصلحة الجهة التي تدعمها. هذا النهج الانتقائي في النشر يعكس غياب الشفافية وازدواجية المعايير التي باتت تتحكم في الإعلام.
لم تعد الصحافة في كثير من الحالات منبرا للحقيقة أو أداة لإصلاح المجتمع في بلادنا، بل تحولت إلى بوق يطبل للنافذين، ويغض الطرف عن الفساد، ويتبنى الخطاب الذي يرضي الجهات المسيطرة عليه. في ظل هذه الأوضاع، أصبح الإعلام وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والاقتصادية، بدلا من أن يكون صوتا للناس وساحة لنقاش القضايا التي تهم المجتمع.
المفارقة الكبرى أن المسؤولين الفاسدين الذين يسخرون الإعلام لخدمتهم، هم أنفسهم الذين يتحدثون عن حرية الصحافة، لكنهم يفرضون رقابة مشددة تمنع أي نقد حقيقي يمكن أن يطالهم حتى ولو بشكل غير مباشر. وهكذا، أصبح الإعلام أداة تضليل أكثر منه وسيلة توعية، حيث يصنع الرأي العام وفقا لمصالح المتحكمين به، لا وفقا للحقيقة.
إن الصحافة الحقيقية لا ينبغي أن تكون تابعة لأي جهة، بل يجب أن تكون مستقلة تضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار. فحرية التعبير لا تعني فقط الحق في الكلام، بل تعني أيضا الحق في سماع جميع الأصوات، دون إقصاء أو انتقائية.
لكن حتى يتحقق ذلك، لا بد من وجود إعلاميين شجعان، وجمهور واعٍ يرفض أن يكون مجرد متلق سلبي لما يملى عليه، ويطالب بصحافة تخدم الحقيقة لا المصالح. فالإعلام النزيه هو القادر على بناء مجتمع واعٍ، أما الإعلام المسيس والمنافق، فلن يكون سوى أداة بيد المفسدين، مهما حاول أن يتظاهر بالحياد والمهنية.